ابن رشد

135

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

أن من المعارف الأول أن العلم يجب أن يكون غير العالم ، وأنه ليس يجوز « 81 » أن يكون العلم هو العالم إلا لو جاز أن يكون أحد المضافين قرينة ، مثل أن يكون الأب والابن معنى واحدا بعينه . فهذا تعليم بعيد عن أفهام الجمهور ، والتصريح به بدعة ، وهو أن يضلّل الجمهور أحرى منه أن يرشدهم . [ 120 ] وليس عند المعتزلة برهان على وجوب هذا في الأول سبحانه ، إذ ليس عندهم برهان ، ولا عند المتكلمين ، على نفي الجسمية عنه . إذ نفي الجسمية عندهم عنه انبنى على وجوب الحدوث للجسم بما هو جسم . وقد بينا في صدر هذا الكتاب أنه ليس عندهم برهان على ذلك ، وأن الذين « 82 » عندهم برهان على ذلك هم العلماء ( - الفلاسفة : طبيعيات أرسطو ) . [ 121 ] ومن هذا الموضع زلّ النصارى : وذلك أنهم اعتقدوا كثرة الأوصاف ، واعتقدوا أنها جواهر ، لا قائمة بغيرها بل قائمة بنفسها ، كالذات . واعتقدوا أن الصفات التي بهذه الصفة هما صفتان العلم والحياة . قالوا : فالإله واحد من جهة ، ثلاثة من جهة . يريدون أنه ثلاثة من جهة أنه موجود وحي وعالم . وهو واحد من جهة أن مجموعها شيء واحد . [ 122 ] فهنا ثلاثة مذاهب : مذهب من رأى أنها ( - الصفات ) نفس الذات ولا كثرة هنالك ، ومذهب من رأى الكثرة ، وهؤلاء قسمان : منهم من جعل الكثرة كثرة « 83 » قائمة بذاتها ، ومنهم من جعلها كثرة قائمة بغيرها . وهذا كله بعيد عن مقصد الشرع . [ 123 ] وإذا كان هذا هكذا ، فإذن « 84 » : الذي ينبغي أن يعلم الجمهور من أمر هذه الصفات ، هو ما صرح به الشرع فقط . وهو الاعتراف بوجودها دون تفصيل ( 38 / ظ ) الأمر فيها هذا التفصيل . فإنه ليس يمكن أن يحصل عند الجمهور في هذا يقين أصلا . [ 124 ] وأعني ، هاهنا ، بالجمهور : كل من لم يعن بالصنائع البرهانية . وسواء كان قد حصلت له صناعة الكلام أو لم تحصل له ، فإنه ليس في قوة صناعة الكلام

--> ( 81 ) س : سقط من المتن " يجوز " وثبت في الهامش . ( 82 ) س : " الذي " ( 83 ) ت . مل 1 : سقط " كثرة " ( 84 ) ت : " فان " . ( ننبه إلى أننا نكتب " إذن " بالنون لتلافي الالتباس مع " إذا " . م . ع . ج )